الشيخ الطبرسي
223
تفسير جوامع الجامع
( وَبَدَا لَهُم مِّن اللهِ مَا لَم يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) وَعيدٌ لا يُحَاطُ بكُنْهِهِ ، ونَظيرُهُ في الوَعْدِ قَولُهُ : ( فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُن ) ( 1 ) . وعن محمَّدِ بنِ المنْكَدرِ أنَّهُ جَزِعَ عندَ موتِهِ ، فقيلَ لَه في ذلكَ فقال : أخشى آيةً من كتابِ اللهِ وتَلاَها ، ثُمَّ قَالَ : أَخشى أن يبدو لي من الله ما لَمْ أَحْتَسِب . وعن سُفْيان الثَّوريّ أَنَّهُ قَرأَهَا فقَالَ : وَيلٌ لأَهْلِ الرِّياءِ ، وَيْلٌ لأهلِ الرِّياء ( 2 ) . ( وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ) أعمالِهِم الَّتي كَسَبُوهَا ، أو : سَيِّئَاتُ كَسْبِهِم حينَ تُعْرَضُ صَحَائِفُهُم وكانَتْ خَافيةً عليهِم كقَولِهِ : ( أَحْصَهُ اللهُ ونَسُوهُ ) ( 3 ) ، أو : جَزَاءُ سَيِّئاتِهِم من أنواعِ العَذابِ سَمَّاها سَيِّئات كَمَا قَالَ : ( جَزَآءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) ( 4 ) ، ( وَحَاقَ بِهِمْ ) أحَاطَ بِهِم ونَزَلَ بِهِم جَزَاءُ استهزائِهِم ، يُقَالُ : خَوَّلَهُ شيئاً إذا أَعْطَاهُ على غيرِ جَزَاء . قَالَ : ( إنَّمآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم ) أي : عَلَى عِلْم مِنِّي بأَنِّي أُعْطِيتُهُ لِمَا فيَّ من الفَضْلِ والاستحقاقِ ، أو : على عِلْم من اللهِ باستحقاقي فلذلك آتاني ما آتاني ، أو : على عِلْم مِنِّي بوجوهِ الْكَسْبِ كما قَالَ قَارونُ : ( عَلَى عِلْم عِنْدِي ) ( 5 ) وذَكَّرَ الضَّميرَ العائِدَ إلى ( نِعْمَة ) في ( أُوْتِيتُهُ ) لأنَّهُ أرادَ شيئاً من النِّعمةِ أَو قِسْمَاً مِنْها ، ويمكنُ أن يكُونَ " ما " في ( إنَّمَآ ) موصُولةً لا كافَّةً ، فَيرجعُ الضَّميرُ إليهِ ( بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ) إنْكارٌ لذلكَ القَوْلِ ، أي : ليس كَمَا تَقُولُ بل هي فتنةٌ أي : ابتلاءٌ واختبارٌ لَهُ أَيَشكُرُ أم يَكْفُرُ ؛ ذَكَّرَ الضِّميرَ أَوَّلاً على المعنى ، وَأَنَّثَ هنا على اللَّفظِ ، أو : لأنَّ الخَبَرَ مُؤَنَّثٌ .
--> ( 1 ) السجدة : 17 . ( 2 ) أُنظر الكشّاف : ج 4 ص 133 . ( 3 ) المجادلة : 6 . ( 4 ) الشورى : 40 . ( 5 ) القصص : 78 .